وُلدتُ في لبنان، في منطقة أصبح فيها الصراع جزءًا من حياتنا اليومية. ليس أيّ صراع، بل ذاك الذي يتحوّل إلى حرب، ويجلب معه الدمار والألم والخسارة.
مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ أمرًا مقلقًا: نادرًا ما نعلّم كيف نحلّ النزاعات.
حلّ النزاعات ليس أمرًا فطريًا، بل هو مهارة تُكتسب. ومع ذلك، غالبًا ما تغيب هذه المهارة عن مناهجنا الدراسية. نعلّم الطلاب كيف يقرؤون ويكتبون ويحسبون ويحلّلون، لكن كم مرة نعلّمهم بشكل صريح كيف يستمعون بتعاطف؟ كيف يديرون مشاعرهم؟ كيف يختلفون باحترام؟ أو كيف يجدون أرضية مشتركة؟
بلغة البكالوريا الدولية، هذه ليست مهارات إضافية. هذه هي مهارات التعلّم. وفي عالم يتشكّل بالصراعات، هذه المهارات ليست اختيارية، بل أساسية.
في عملي مع المعلّمين، أشعر بالامتنان لكوني جزءًا من مجتمع البكالوريا الدولية. تذكّرنا رسالة البكالوريا بأننا نسعى إلى إعداد متعلمين باحثين، مثقفين، ومهتمين، يساهمون في بناء عالم أفضل وأكثر سلامًا من خلال تعزيز التفاهم والاحترام بين الثقافات.
تتجسّد هذه الرسالة من خلال ملامح المتعلم .
ماذا يعني، على سبيل المثال، أن نكون:
- مهتم في زمن الحرب؟
- منفتح فكريًا عندما تنقسم وجهات النظر بعمق؟
- صاحب مبادئ عند مواجهة الظلم؟
- متوازن عندما يبدو العالم من حولنا غير مستقر؟
هذه السمات ليست ملصقات على الجدران، بل هي تجارب نعيشها، خاصة في أوقات الأزمات.
ومع ذلك، أجد نفسي كثيرًا ما أتساءل: كيف نُجسّد هذه الرسالة فعليًا في مدارسنا؟ كيف ننتقل من الأقوال إلى الأفعال؟
نحن بحاجة إلى مزيد من المدارس التي تؤمن بهذه الرسالة. كما نحتاج إلى وضوح أكبر وأعمق في كيفية تعليم السلام. يقدّم إطار برنامج السنوات الابتدائية بالفعل مداخل قوية لذلك:
- من خلال مفاهيم مثل المسؤولية، والمنظور، والارتباط
- من خلال التعلّم المتجاوز للمواد (مشاركة الكوكب: الحقوق الجميع، ومسؤولياتهم، وكرامتهم، والسبل تجاە المستقبل العادل، السلمي، المُعاد تصور) الذي يساعد الطلاب على تجاوز الحدود
- من خلال تمكين المتعلم ليكون فاعلًا ويأخذ مبادرات
لكن، هل نستخدم هذه الفرص بالعمق الكافي؟
فالسلام ليس فقط غياب الحرب، بل هو أيضًا ما يحدث داخلنا.
كيف نتعامل مع صراعاتنا الداخلية؟
كيف ندير الخوف، والغضب، والإحباط، أو الحزن؟
هذه الجوانب ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـمهارات الإدارة الذاتية، خاصة تنظيم المشاعر والوعي الذاتي. كما أنها في صميم أن نكون متعلمين متأملين.
ومع ذلك، فإن الكثيرين منا لم يتعلّموا هذا بشكل صريح في المدرسة.
وهنا يأتي دور تطوّر التعليم.
في أوقات الحرب، يصبح دور المدرسة أكثر أهمية من أي وقت مضى. نعم، يمكن للمدارس أن تبقى مفتوحة، ويمكن للتعلّم أن يستمر. لكن السؤال الحقيقي ليس هل نستمر في التعلّم، بل ماذا نختار أن نُعلّم.
هل يحتاج الطلاب فعلًا إلى درس إضافي في القواعد في وسط الأزمة؟
هل هذا هو الوقت المناسب للتركيز على جداول الضرب؟
أم أن هذا هو الوقت للتركيز على معنى أن نكون بشرًا؟
يؤكد برنامج السنوات الابتدائية أن التعلّم يجب أن يكون ذا معنى ومرتبطًا بالسياق. وفي أوقات الصراع، يعني ذلك أن نوفر مساحات للطلاب لكي:
- يعبّروا عن أفكارهم ومشاعرهم
- يطرحوا أسئلة صعبة
- يستكشفوا وجهات نظر متعددة
- يربطوا التعلّم بحياتهم الواقعية
هنا تتكامل مهارات التواصل، والتفكير، والمهارات الاجتماعية.
يحتاج الطلاب أن يدركوا أنهم ليسوا مجرد مراقبين سلبيين. بل يمكنهم اتخاذ مواقف وأفعال، مهما كانت بسيطة، يقودها التعاطف والفهم.
قبل عامين، كتبتُ عن هذه الأفكار في مدوناتي، منها: “من حقي أن أعيش“ و “أغلقوا المدارس، لقد فشلنا“ و”متى تصير المأساة فرصة للتغيير؟“. واليوم، أجد نفسي أعود إلى نفس التساؤلات، لأن الواقع من حولنا لم يتغير بما فيه الكفاية.
ربما هذا هو دور جيلنا:
أن نستمر في التساؤل،
أن نستمر في التأمل،
وأن نعيد ربط التعليم بالإنسانية.
لأنه إذا لم يساعدنا التعليم على تطوير المهارات والقيم التي تمكّننا من العيش معًا بسلام،
فعلينا أن نسأل أنفسنا:
هل نحن نعلّم حقًا… أم أننا نفقد ما هو الأهم؟

كلام رائع وجميل واقعي ويسلط الضوء الحقيقي الذي يحب أن نعمل عليه في العملية التعلمية اليوم ، الواقع والحياة مليئة بالتحديات على ان نحسن تجهيز أطفالنا طلابنا للقدرة على مواجهة والانتصار على هذه التحديات بغض النظر ما نوعها .
أنا ممتنة لك أستاذ علي على هذا الأسلوب الرائع في إيصال هذه الأفكار الجميلة
لا فض فوك
كتير حلوة فكرة نختار ماذا نعلم وعلى ماذا نركّز..🙏🏻
ربما هذا هو دور جيلنا
أن نستمر في التساؤل،
أن نستمر في التأمل،
وأن نعيد ربط التعليم بالإنسانية
كتير لفتني الاستسلام المتمرد بنفس الوقت كأنه خضعنا لظروفنا القاسية يلي بحس بلشت من قبل جيلي و مستمرة مع جيلي و يمكن بلبنان كتير أجيال تجي و هي ضمن هيدي الدائرة بس نحنا موافقين على التساؤل و التجربة و التأمل المهم نبقى عم نعلم و نتعلم
مقال أكتر من رائع استاذ علي شكراً كتير