مؤخرًا، أتيحت لي الفرصة للسفر إلى إيطاليا للتعرّف أكثر على منهج ريجيو إميليا. كانت هذه التجربة التعليمية من تنظيم أمبرا لانزي، وقد منحتني فرصة قوية للدخول إلى سياق تربوي يرتكز بعمق على احترام الطفل والعلاقات وعملية التعلّم.
خلال الزيارة، قمنا باستكشاف المركز الدولي لوريس مالاغوزي، وريميدا بولونيا، ومدرستين للتعليم المبكر. ومن أكثر اللحظات التي لا تُنسى كانت إعداد المعكرونة الطازجة معًا وتناولها على العشاء، وهي تجربة بسيطة عكست قيمة التواصل والتعلّم المشترك.
أهم ما تعلمته من ريجيو إميليا
الفكرة التي حملتها معي هي صورة الطفل. في ريجيو إميليا يُنظر إلى الأطفال على أنهم قادرون، فضوليون، ومليئون بالإمكانات. إنهم مشاركون فاعلون في تعلّمهم، وليسوا متلقين سلبيين للمعلومات.
ويرتبط بذلك بشكل وثيق دور المعلّم. فالمعلّم لا يُقدَّم كمصدر للمعرفة، بل كملاحظ، ومستمع، ومحفّز للتفكير، وموثّق لعملية التعلّم. هذا الدور يتطلب انتباهًا عميقًا والتزامًا بفهم كيفية ظهور الأفكار وتطورها عبر الزمن.
عنصر آخر أساسي هو البيئة، والتي تُوصف غالبًا بأنها المعلّم الثالث. يتم تصميم مساحات التعلّم بعناية لتحفيز التفكير والتعاون والاستكشاف. المواد مفتوحة النهاية (loose part)، سهلة الوصول، ويتم اختيارها بشكل مقصود. فهي ليست باهظة أو منظمة بشكل صارم، بل تدعو إلى استخدامات متعددة. إعادة الاستخدام والتقليل وإعادة التدوير ليست مجرد اختيارات بيئية، بل جزء من عقلية تقدّر الإبداع والاستدامة والخيال.
في هذه المساحات، لم أرَ أوراق عمل أو مهام كتابية متكررة معلّقة على الجدران. بل رأيت آثار التفكير، وتوثيق العمليات، وأدلة على رحلات التعلّم. كانت البيئة نفسها تعكس التعلّم بدلًا من المنتجات النهائية.
ما لفت الانتباه أيضًا هو مدى ظهور وكالة المتعلم في كل التفاصيل. كان الأطفال يجهزون الطاولات للغداء، وينظمون المواد، ويتحركون في المساحات بثقة وحرية. كانت الكتب والموارد موجودة في كل مكان، ليس كزينة، بل كأدوات حيّة للتساؤل والاستكشاف. كما أن المساحة الخارجية كانت مهمة جدًا، حيث وسّعت التعلّم خارج جدران الصفوف وقدمت فرصًا غنية للاكتشاف.
ربما أهم فكرة هي أن كل هذا لا يمكن أن يحدث دون تعاون قوي. يلعب أولياء الأمور والمعلمون والقادة والمجتمع الأوسع دورًا فاعلًا في تشكيل تجربة التعلّم. التعليم هنا ليس مسؤولية فردية، بل التزام مشترك.
ذكّرتني هذه التجربة بأن ريجيو إميليا ليست نموذجًا لنقلّه كما هو، بل دعوة لإعادة التفكير في كيفية رؤيتنا للأطفال والتعلّم والمساحة والمجتمع.
